لبهمنيار بن المرزبان
رحمة الله عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
توكلي على الله
المفارقات أربع مراتب مختلفة الحقائق: (ا) الموجود الذي لا سبب له وهو واحد؛ (ب) العقول الفعالة وهي كثيرة بالنوع؛ (ج) النفوس السمائية وهي كثيرة بالنوع؛ (د) النفوس الإنسانية وهي كثيرة بالأشخاص.
الصفات العامة لها وهي أربع: (ا) إنها ليست بأجسام وهو معنى سلبي. ولا يوجب أن لا تختلف حقائقها لاشتراكها في هذا السلب؛ (ب) إنها لا تموت ولا تفسد. وإلاّ كان وجب أن يكون فيها قوة الموت والفساد. ولو جاز هذا لوجب أن يجتمع فيها قوة الوجود والبقاء وفعلهما فكانت يكون [تكون] موجودة ومعدومة معاً. فبين أن البسائط إذا صارت بالفعل لم يبق فيها القوة والإمكان. بل إنما يصح ذلك في المركبات التي لها إمكانان. فيبطل أحدهما عند كونه [كونها] بالفعل ويبقى الآخر في المادة. ثم لامتناع الفساد في واجب الوجود بذاته بيان خاص وكذلك في المادة الأولى بيان خاص آخر؛ (ج) إنها تدرك ذواتها بعد أن تعلم أن إدراكها لذواتها مختلفة [مختلف] بالأنواع. فإن إدراكها لذواتها هو نفس وجوداتها ووجوداتها مختلفة. والأول يدرك ذاته ولوازم ذاته. لا محالة لأنه إن [لو] لم يدرك لوازم ذاته. لكان إدراكه لذاته ناقصاً. وإدراكه للوازم ذاته هو إرادته؛ (د) إن لكل منها سعادة فوق سعادة الملابسات للمادة. على أنها أيضا في المفارقات مختلفة متفاوتة. ثم لكل منها صفات خالصة مشروحة في الكتب؛ (ه) إنها حية بذواتها أي وجودها حيوتها.
البراهين على إثبات هذه المفارقات
فمن هذه البراهين ما يتضمن إثبات مفارق ومنها ما يثبت أولاً به أمر ثم ببرهان ثانٍ نعلم أن ذلك الأمر مفارق. البرهان على إثبات الموجود الذي لا سبب له وهذا يحتاج إلى برهان آخر في أنه مفارق. لما كانت الممكنات واجباً فيها أن ىنتهي [تنتهي] إلى موجود لا سبب له. وإلّا كان يلزم إذا وضع طرفان وواسطة وكان يوضع الطرف الأخير معلولاً والأول علة أن يكون الأول أيضا حكمه حكم الواسطة المحتاجة إلى طرف ليس حكمه حكم الواسطة. فما كان يصح وجود ما حكمه حكم الواسطة سواء كانت عدة الواسطة متناهية أو غير متناهية.
وجب أن يكون في الموجودات موجود لا سبب له. وذلك بعد أن توضع العلل موجودة معاً إذ المعلول لا يصح أن يوجد من دون العلة وإن اتصل وجوده [بوجوده]. فإنه إن استغنى بعد وجوده عن العلة صار واجب الوجود بذاته بعد أن كان ممكناً ومحتاجاً إلى العلة. والحدوث لا يفيد الوجود المعلول الواجبية بذاته. فإن الحدوث أيضا هذه صفته. وبالجملة لا تأثير للفاعل في الحدوث أي في سبق العدم أي في كون مثل هذا الوجود مسبوق العدم بل هذا له من ذاته. وما له من ذاته فلا سبب له.
البرهان على أنه مفارق برهانان
لو كان جسماً لكان له مادة وصورة فكانا سببين لوجوده. وما لا سبب له لا يجب بسبب. (ا) إنه لو كان جسماً لكانت له ماهية ولو كانت له ماهية للزم ثلث محالات. الأولى أن المعدوم كان يلزمه الوجود أي كان سبباً لوجود ذاته. الثانية أن الموجود الذي لا سبب له يكون من لوازم تلك الماهية فيكون معلولاً صادراً عنه [عنها]. الثالثة أن وجوب الوجود يكون متعلقاً بتلك الماهية فإنما [قائماً] فيها فكان وجوبه بها.
إثبات العقول الفعالة: عليه خمسة براهين و يتضمن [تتضمن] إثباتها
الأول: اللازم عن الأول يجب أن يكون إحدى الذات لأن الأول إحدى الذات من كل جهة ومقتضى الواحد من كل جهة واحد. ويجب أن يكون هذا الإحدى الذات أمراً مفارقاً. وإنما أقوله من [عن] البراهين: (ا) من المعلوم أن الأجسام والمفارقات كثيرة. فلا يصح أن يكون الصادر عن الأول أو لا صورة جسم أو مادة. وذلك لأن الصورة الجسمية تفعل بواسطة المادة الموجودة فيها لأن وجود الصور الجسمانية في المادة ولا يستغني عنها. ومصدر فعل كل شيء وجوده. فيكون مادة الجسم الأول علة لما بعدها من الصور والمواد والمفارقات. ولكن ليس للمادة إلا القبول؛ (ب) الصورة الجسمية لا محالة يفعل [تفعل] بعد وجودها وجود شخصي وتشخصها بالوضع. ففعلها إذا وضعي. ولو كان [كانت] سبباً لوجود جسم آخر لكان وجب أن يكون [تكون] أولاً سبباً لوجود مادته وصورته. لكن ليس بين الصورة الجسمية و يبنهما وضع. فلا يصح أن يكون [تكون] سبباً لوجودهما فلا يصح أن يكون [تكون] سبباً لما بعدهما أعني الجسم. والاستحالة في كونها سبباً للمفارق أظهر؛ (ج) الجسم مؤلف من مادة وصورة. ولا الصورة مستغنية في وجودها عن المادة ولا المادة عن الصورة. فلا بد من ثالث ليس بجسم. ويؤدي [تؤدي] هذه البراهين إلى أنه لو كان المعلول الأول غير مفارق لكانت الصورة الجسمية والمادة سبباً لوجود الجسم والمفارق. لكن هذا محال.
الثاني: لو كان جسم فلكي سبباً لوجود جسم محوي لكان يلزم أن يكون لعدم الخلاء سبب. والخلاء محال وجوده والمحال لا سبب له. فمعلوم من هذا أن لكل فلك مفارقاً.
الثالث: إن النفوس الإنسانية مفارقة. فعلّتها يجب أن يكون [تكون] مفارقة لأن الجسم متأخر في درجة الوجود عن المفارقات. فلو كانت صورة جسمية سبباً لوجود مفارق لكانت تفيد وجوداً فوق وجودها وأتمّ من وجودها. فكان وجود مثل النفس الإنسانية بغير سبب. والصروة الجسمية لا يفيد [تفيد] وجوداً أكمل من وجود ذاتها. ووجود المفارق أكمل من وجود ذاتها.
الرابع: النفوس الإنسانية مخرجها من القوة إلى الفعل في المعقولات عقل ببراهين: (ا) الصور المتخيلة والمحسوسة والمتوهمة و بالجملة الأجسام بالقوة معقولة. فلا بد من أمر يجردها ويصيرها معقولة. فإن كان ذلك الأمر أيضا بالقوة معقولة [معقولاً] لتسلسل فينتهي لا محالة إلى معقول بذاته؛ (ب) الصور الجسمانية يفعل [تفعل] بوضعها. ولا وضع لها إلى يقوسنا [نفوسنا]. فلا يصح أن تخرج عقولنا من القوة إلى الفعل. مكمل عقولنا لا محالة يكون أتمّ وجوداً منها. والمعقولات هي التي تكملها .فمفيدها عقل بالفعل.
الخامس: الحركة الدائمة لا بد لها من محرّك مفارق.
إثبات النفوس السمائية بثلثة براهين
(ا) الحركة الطبيعية يصدر [تصدر] عنها عند حالة غير طبيعية فهي مؤدّية إلى حالة طبيعية أي سكون. وذلك عند ارتفاع الحالة غير الطبيعية. ولا يصح في الحركة المستديرة السكون.
(ب) الحركة الطبيعية يطلب [تطلب] أمراً يسكن [تسكن] عنده وذلك على أقرب الطرق فهي إذن مستقيمة.
(ج) الطبيعة لا يقتضي [تقتضي] مهروباً عنه مطلوباً ولا يهرب [تهرب] عن مطلوبها. والمستديرة بخلافها فهي إذن غير طبيعية. فهي نفسانية إختيارية ولأنها تختار جرياً. فلا يصح أن يكون [تكون] عقلاً صرفاً. وإلّا ما كان يعدم أجزاء الحركات وما كان يتعين حركة من دون أخرى فما كان يجب وجود ما لا يتعين فكان لا يوجد حركة.
البرهان على أنها مفارقة
(ا) مطلوبها لا يصح أن يكون معيناً وإلّا كان يسكن [كانت تسكن] عند موافاته. فهو إذن كلي فهو إذن عقلي.
(ب) مطلوبها لا يصح أن يكون حسّياً ولا من باب الشهوة والغضب. وإلّا كانت يسكون [تسكن] عند إصابته.
البرهان على إثبات النفوس الإنسانية
الأجسام الحيّة يصدر [تصدر] عنها أفعال لا يصدر [تصدر] عن سائر الأجسام. فهو لأمر غير الجسمية ولأن الجسم المطلق لا وجود له. فهذا الأمر مقوم له فهو جوهر. وليس سبيل هذه الأجسام سبيل المعاجين لأن لها خصوصية وجود. إذ لها نموّ واغتذاء وإدراك وحركة من تلقائها.
البراهين على أنها مفارقة
(ا) إنها يدرك [تدرك] المعقولات. والمعقولات معاني مجردة عما سواها كالبياض لا كالأبيض. وكل ما يحصل في جسم فإنه يؤثّر فيه ما لا بد للجسم في وجوده منه مثل الشكل والوضع والمقدار. فلو حصل معقول في جسم لكان يحصل له مقدار وشكل. ووضع فكان يخرج عن إن يكون معقولاً.
(ب) إنها يشعر [تشعر] بذاتها. ولو كانت موجودة في آلة لكانت لا يدرك [تدرك] ذاتها من دون أن يدرك [تدرك] معها آلتها. فكانت بينها وبين ذاتها وآلتها آلة وكان يتسلسل. بل كل ما يدرك ذاته فذاته له. وكل موجود في آلة فذاته لغير ذاته.
(ج) إنها تدرك الأضداد معاً. بحيث يمنع أن يوجد [توجد] على ذلك الوجه في المادة.
(د) وهو إقناعيّ أن المعقولات القوية لا يضعفها [تضعفها].
(ه) وهو إقناعيّ أن العقل قد يقوي بعد الشيخوخة. وإذا كانت مفارقة لم يجب أن يفسد [تفسد] بفساد المادة الموجبة لحدوثها المكثرة لعدتها المعيّنة لوجود نفس من دون أخرى مثلها.
البرهان على أن لها سعادة بعد المفارقة من جنس سعادة المفارقات وإن أتمّها ما يكون للنفوس الفاضلة
فقد عرفت أنها بسيطة. وأنه يجب إذا وجد لها ما كان في قوتها أن يقبله [تقبله] من الكمالات أن لا يزول عنها بما. بأن في البرهان المتقدم حين بيّن أن البسيط إذا خرج إلى الفعل لم يبق فيه الإمكان. وهذا الكمال هو العقل بالفعل أعني الاستعداد التام للاتصال بالمفارق الباقي الثابت. فهي يتصل [تتصل] بها بعد المفارقة. والعقل الهيولاني وإن كان قدسياً فإنه مستعدّ لأن يصير عقلاً بالفعل. والعقل بالفعل أتم منه. وإذا كان العقل الهيولاني قد يتصل بالمفارق من دون تعلم منه أعني من دون استعمال فكر أو خيال فلأن يتصل به العقل بالفعل بعد المفارقة أوجب وأولى. وبالجملة لا بد للنفس في أن يحصل لها العقل بالفعل من البدن. فإن العقل بالملكة يستفاد بالبدن لا محالة. وكثير من الأوساط في البواي [النظر] يقتنص من الرصد وبالحس. والذي يختص بهذا المكان أنه لو كان العقل الهيولاني باقياً مع العقل بالفعل لكانت النفس بشيء واحد عالمة وجاهلة معاً.
تمت الرسالة بحمد الله وحسن توفيقه
وصلى الله على النبي محمد وآله
